الشيخ محمد إسحاق الفياض

165

المباحث الأصولية

وأما الكلام في النقطة الثانية : فيقع في الفرق بين الاجماع والتواتر ، وهذا الفرق من وجوه : الوجه الأول : ان الاجماع هو إخبار عن فتاوى الفقهاء وهي القضايا الحدسية الاجتهادية ، والتواتر هو اخبار عن القضايا الحسية ، واحتمال الخطأ في القضايا الحدسية أكثر من احتمال الخطأ في القضايا الحسية ، لان احتماله في القضايا الحسية نادر ومدفوع باصالة عدم الخطأ وهي أصل عقلائي ثابت ببناء العقلاء الممضى شرعاً ، بينما لا تجري هذه الاصالة في القضايا الحدسية ، ولا يمكن دفع احتمال الخطاء بها لعدم بناء العقلاء عليها في تلك القضايا . الوجه الثاني : ان المخبر به في الأخبار المتواترة قضية واحدة إما بالمطابقة أو بالالتزام ، بمعنى انه إما مدلول مطابقي لها أو التزامي ، فإذا أخبره مأة شخص مثلًا عن موت زيد ، حصل العلم الوجداني بموته ، فإن اخبار المأة سبب للعلم الجزمي بالقضية وهو أعلى مرتبة التصديق ، واحتمال الخلاف في الجميع معدوم نهائياً ، وهذا بخلاف ما إذا اخبر كل واحد من المأة عن موت جاره ، مثلًا زيد أخبر عن موت جاره وعمرو أخبر عن موت جاره وبكر عن موت جاره وهكذا ، فإن احتمال الخطأ في كل واحد منها موجود بدرجات متفاوتة كخمسين بالمأة أو ثلاثين بالمأة أو أقل أو أكثر ، نعم قد يحصل لنا العلم الاجمالي بمطابقة بعضها للواقع ، فإذن تكون اخبار هؤلاء المأة من الأخبار المتواترة أجمالًا ، وأما في الاجماع فالمخبر به فيه فتاوى الفقهاء وهي لا تصب في دائرة واحدة حتى إذا كانت في المسألة رواية تامة سنداً وجهة ، فإن الفقهاء وإن كانوا قد اجمعوا على دلالتها على الحكم المجمع عليه ، ولكن هذا الاجماع منهم لا يصب على محور واحد ، لاحتمال ان فتوى بعضهم مستندة إلى أن دلالتها كسندها تامة عنده ، وفتوى بعضهم الآخر